محمد احمد الطالبي
تتجلى قوة الدولة اليمنية الحقيقية في وحدة قرارها السياسي، وإنهاء حالة التشرذم والتنازع داخل معسكر الشرعية، بوصف ذلك المدخل الأساسي لاستعادة هيبة الدولة، وتحصينها من الصراعات البينية التي أرهقت المناطق المحررة خلال الفترة الماضية، وأضعفت قدرتها على مواجهة التحديات المصيرية.
وفي هذا السياق، فإن شروع الحكومة الشرعية في اتخاذ خطوات عملية لإعادة توحيد القرار السياسي يُعد إشارة إيجابية واضحة على وجود إرادة حقيقية لتصحيح مسار الشرعية، والانتقال من حالة إدارة الأزمات والانقسامات إلى منطق الدولة والمؤسسات. وتمثل هذه الخطوات بارقة أمل لليمنيين، لما تحمله من دلالات على وعي متزايد بأن استمرار التشرذم لا يخدم سوى مشاريع الانقلاب، وأن وحدة القرار هي المدخل الجاد لاستعادة الدولة وإنهاء معاناة المواطنين.
كما لا يمكن إغفال الدور الأخوي للمملكة العربية السعودية، وجهودها الصادقة والمستمرة في دعم اليمن على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية، وسعيها الدؤوب لرأب الصدع داخل معسكر الشرعية، وتوحيد الصف الوطني، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، انطلاقًا من مسؤوليتها الأخوية والتاريخية، وحرصها على استقرار اليمن وأمنه ووحدته.
وفي الجانب الاقتصادي، فإن توحيد المسؤولية عن الأوعية الإيرادية، وإخضاع الموارد العامة لسلطة الدولة ومؤسساتها الرسمية، يمثل شرطًا جوهريًا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان صرف المرتبات بانتظام، وتحسين مستوى الخدمات، ومنع توظيف المال العام في الصراعات السياسية أو العسكرية، وهي ممارسات عانت منها المحافظات المحررة بشكل واضح وألقت بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، وقد أسهم الدعم السعودي في تخفيف جانب كبير من هذه الأعباء الإنسانية والمعيشية.
وفي الجانب الأمني، أثبتت الأحداث الأخيرة أن تعدد التشكيلات المسلحة خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية قاد إلى حالة من الفوضى والاقتتال الداخلي، وأضعف الجبهة الوطنية في مواجهة العدو الحقيقي. ومن هنا، فإن توحيد القوات المسلحة والأمنية تحت قيادة وطنية واحدة لا يُعد خيارًا سياسيًا قابلًا للمساومة، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة واستمرارها، وتعزيز قدرتها على حماية مواطنيها والدفاع عن سيادتها، وهو ما تحظى مساراته بدعم إقليمي فاعل تقوده المملكة.
إن وحدة القرار السياسي، ووحدة المال العام، ووحدة السلاح، ووحدة العقيدة الوطنية في مواجهة مليشيا الحوثي، تشكل الأساس الصلب لإعادة توجيه البوصلة نحو معركة استعادة الدولة. فالمليشيا الحوثية لا تزدهر إلا في بيئة الانقسام، وكل شرخ في الصف الوطني يمنحها فرصة جديدة للتمدد وفرض مشروعها بالقوة.
وعليه، فإن ترسيخ وحدة القرار، وتوحيد إدارة الموارد، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز العقيدة الوطنية الجامعة، وبدعمٍ أخويٍ صادق من المملكة العربية السعودية، لا يُعد مجرد إجراءات إدارية أو سياسية، بل مؤشرًا على ميلاد مرحلة جديدة، تستعيد فيها الحكومة اليمنية الشرعية ثقة الشارع، وتتجدد فيها روح التفاؤل، ويُفتح فيها الطريق أمام دولة قادرة على فرض الأمن، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق مسار تنموي حقيقي، وبزوغ فجر أمل يستحقه اليمنيون بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.

