الدين والحياة

ليلة الإسراء والمعراج رحلة توجت بتكريم إلهي ودروس خالدة للأمة

في رحاب المعجزة الخالدة

في خضم المعاناة والأحزان، وحينما ضاقت الأرض على رسول الله ﷺ بما رحبت، جاءت العناية الإلهية لتفتح له أبواب السماء. فبعد سنوات من الدعوة الصابرة، بلغ الأذى ذروته بوفاة السند العاطفي والاجتماعي، زوجته الوفية السيدة خديجة رضي الله عنها، وعمه الحامي أبو طالب. وزاد من ألم النبي ﷺ صدود أهل الطائف وإعراضهم، حينما سلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. في هذه الغمرة من المآسي، وفي وقت كان فيه فؤاده الشريف مثقلاً بالهموم، جاءت معجزة الإسراء والمعراج تكريماً إلهياً فريداً، ورسالة ربانية بليغة. لم تكن مجرد رحلة، بل كانت “تسرية وتسلية” وتثبيتاً لقلبه، وتهيئة له لمرحلة جديدة من النضال والجهاد، مرحلة ستواجه فيها الدعوة الإسلامية العالم بأسره.


1. تعريف الرحلة وأدلة ثبوتها: أسس الإيمان بالمعجزة

1.1. شرح استراتيجي للمصطلحات والأدلة

إن ترسيخ العقيدة في قلب المسلم يبدأ من فهم المصطلحات الشرعية والإيمان بالأدلة القاطعة التي جاء بها الوحي. فالمعجزات، بطبيعتها الخارقة للعادة، تمثل اختباراً لصدق الإيمان بالغيب، وهو ركن أساسي في عقيدة الإسلام. وحادثة الإسراء والمعراج هي إحدى أعظم هذه المعجزات التي ثبتت بنصوص قطعية لا تقبل الشك.

1.2. تفصيل الإسراء والمعراج

تتألف هذه الرحلة المباركة من جزأين متكاملين لكل منهما دلالته الخاصة:

  • الإسراء: لغةً هو السير ليلاً. وشرعاً، هو الرحلة الأرضية التي أذهب الله بها نبيه ﷺ بجسده وروحه من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، في جزء يسير من الليل.
  • المعراج: لغةً هو الصعود. وشرعاً، هو الرحلة السماوية التي صعد فيها النبي ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات السبع وما فوقها، وصولاً إلى سدرة المنتهى، حيث فُرضت الصلوات الخمس.

1.3. استعراض الأدلة الشرعية

لقد أُثبتت هذه المعجزة بأدلة صريحة وقاطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

  • القرآن الكريم:
    • جاء ذكر الإسراء صراحة في مطلع سورة الإسراء، في قوله تعالى:
    • أما المعراج، فقد أشار إليه القرآن الكريم في سورة النجم، كما ذكر المفسرون ومنهم ابن كثير، في قوله تعالى:
  • السنة النبوية المطهرة:
    • ثبت المعراج بالأحاديث الصحيحة المتواترة التي تلقتها الأمة بالقبول. فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم أحاديث الرحلة في صحيحيهما. وقد عدّ الإمام القسطلاني ستة وعشرين صحابياً وصحابية رووا حديث الإسراء والمعراج، مما يجعله حديثاً متواتراً يفيد العلم اليقيني.

1.4. تحليل طبيعة الرحلة: بالجسد والروح معاً

أجمع جمهور العلماء من السلف والخلف على أن رحلة الإسراء والمعراج كانت بالجسد والروح معاً، في اليقظة لا في المنام، وهذا هو الحق الذي تدل عليه ظواهر النصوص. ومن أبرز الأدلة على ذلك:

  1. النص القرآني: استخدم الله تعالى لفظ ﴿بِعَبْدِهِ﴾، وكلمة “العبد” في لغة العرب تطلق على مجموع الجسد والروح، ولا تطلق على الروح وحدها.
  2. المعنى المنطقي للمعجزة: كما أوضح الإمام الطبري، لو كانت الرحلة بالروح فقط (أي رؤيا منام)، لما كانت معجزة خارقة للعادة، ولما استنكرها كفار قريش وكذبوا بها، فليس عجيباً أن يرى الإنسان في منامه ما هو على مسيرة شهور أو سنين.
  3. إجماع أهل العلم: أكد الحافظ ابن حجر العسقلاني أن هذا هو ما “تواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله”.

1.5. الخاتمة والانتقال

وهكذا، فإن ثبوت الرحلة بالأدلة القاطعة لا يجعلها مجرد حقيقة تاريخية، بل أصلاً عقدياً محورياً، يُمتحن به اليقين بالغيب، ويُبنى عليه فهمٌ أعمق لخصائص النبوة الخاتمة.

——————————————————————————–

2. تفاصيل الرحلة المباركة: من الأرض إلى السماء

2.1. مقدمة تحليلية للأحداث

إن تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج ليست مجرد سرد لأحداث خارقة، بل هي مسار إلهي متكامل، كل مرحلة فيه تمهد لما بعدها في ترابط محكم. فهي تبدأ بالتطهير الروحي والجسدي، ثم تنتقل إلى التكريس الرسمي للقيادة الروحية في المسجد الأقصى، وتصعد إلى السماء للقاء الأنبياء، لتكون كل محطة خطوة ضرورية في تهيئة النبي ﷺ لتلقي التشريع الأعظم من الله مباشرة.

2.2. الإعداد للرحلة: تطهير القلب

قبل أن تبدأ الرحلة السماوية، كان لا بد من تهيئة قلب النبي ﷺ لاستقبال الأنوار الإلهية ومشاهدة الآيات الكبرى. يروي الصحابي مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ كان بين النائم واليقظان عند البيت، فأُتِيَ بطست من ذهب مملوء حكمة وإيماناً. فشُقّ صدره الشريف من النحر إلى أسفل البطن، وغُسل قلبه بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيماناً. وهنا تتجلى الحكمة الإلهية؛ فكما أن الإناء الطاهر هو ما يليق بأشرف الأشياء، كان لا بد من هذا التطهير الكامل للقلب ليكون الوعاء الذي سيتلقى أقدس التشريعات، الصلاة، مباشرة من مصدرها الإلهي.

2.3. رحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى

انطلقت الرحلة على دابة سماوية هي “البُراق”، وهي “دابة أبيض دون البغل وفوق الحمار”، تتجاوز سرعتها قوانين الفيزياء الأرضية، وفي ذلك رمزية بليغة بأن الرسالة التي يحملها النبي ﷺ هي وحي إلهي يتجاوز حدود الزمان والمكان والقدرات البشرية. ولم يكن اختيار المسجد الأقصى كمحطة أرضية مصادفة، بل حمل دلالات تأسيسية:

  • ربط المقدسات: كان الإسراء ربطاً مادياً وروحياً بين المسجد الحرام (مهبط الوحي الخاتم) والمسجد الأقصى (مهد النبوات السابقة)، ليؤكد على وحدة الرسالات السماوية.
  • انتقال القيادة الروحية: توّجت هذه المرحلة بحدث جلل، حيث صلى النبي ﷺ إماماً بجميع الأنبياء والمرسلين. لم يكن هذا مجرد تكريم، بل كان بمثابة تنصيب إلهي رسمي، وإعلان سماوي بأن “القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة وإلى نبوة جديدة”، وأن رسالة محمد ﷺ ليست مجرد تتمة للرسالات السابقة، بل هي الخاتمة والمهيمنة عليها.

2.4. رحلة المعراج عبر السماوات السبع

من المسجد الأقصى، بدأت رحلة الصعود السماوي. ففي كل سماء، كان جبريل عليه السلام يستفتح، فيُسأل: “من هذا؟”، فيجيب: “جبريل”. فيُسأل: “ومن معك؟”، فيقول: “محمد”. فيقال: “أوقد أُرسل إليه؟”، فيقول: “نعم”، فيُفتح لهما ويُرحّب به. وفي كل سماء كان لقاء مع نبي من الأنبياء:

  1. السماء الأولى: لقاء آدم عليه السلام، الذي رحب به قائلاً: “مرحباً بك من ابن ونبي”.
  2. السماء الثانية: لقاء يحيى وعيسى عليهما السلام، وقد رحبا به قائلين: “مرحباً بك من أخ ونبي”.
  3. السماء الثالثة: لقاء يوسف عليه السلام، الذي رحب به قائلاً: “مرحباً بك من أخ ونبي”.
  4. السماء الرابعة: لقاء إدريس عليه السلام، الذي رحب به قائلاً: “مرحباً من أخ ونبي”.
  5. السماء الخامسة: لقاء هارون عليه السلام، الذي رحب به قائلاً: “مرحباً بك من أخ ونبي”.
  6. السماء السادسة: لقاء موسى عليه السلام، الذي رحب به ثم بكى. وعندما سُئل عن سبب بكائه، قال: “يا ربِّ هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي، يدخلُ الجنةَ من أمتِه أفضلُ مما يدخُلُ من أمتي”.
  7. السماء السابعة: لقاء إبراهيم عليه السلام، الذي رحب به قائلاً: “مرحباً بك من ابن ونبي”.

2.5. الخاتمة والانتقال

لم يكن الوصول إلى السماء السابعة ولقاء أبي الأنبياء إبراهيم نهاية المطاف، بل كان تتويجاً لمسيرة النبوة وتأكيداً على وحدة أصلها. ومن هناك، كان النبي ﷺ على موعد مع أعظم مشاهد الرحلة، حيث سينتقل من عالم الخلق إلى حضرة الخالق لتلقي أهم تشريعات أمته.


3. مشاهد من العالم الآخر وفرض الصلاة

3.1. مقدمة استراتيجية للأهمية التشريعية

إن الانتقال من المشاهدة المحضة في السماوات السبع إلى التشريع المباشر عند سدرة المنتهى يمثل جوهر المعراج؛ فهو لا يكشف فقط عن حقائق الغيب، بل يؤسس لأركان العبادة التي ستربط الأمة بخالقها ربطاً مباشراً وأبدياً.

3.2. في حضرة سدرة المنتهى والبيت المعمور

بعد السماء السابعة، رُفع النبي ﷺ إلى مقامات عليا لم يبلغها مخلوق قبله:

  • سدرة المنتهى: وهي شجرة عظيمة ينتهي إليها علم الخلائق. وصفها النبي ﷺ قائلاً: “فإذا نبقُها كأنه قلالُ هجرَ، وورقَها كأنه آذانُ الفيولِ”.
  • البيت المعمور: وهو بيت في السماء السابعة بحيال الكعبة في الأرض. وصفه النبي ﷺ بأنه “يصلي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم”.
  • أنهار الجنة: رأى في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار: نهران باطنان في الجنة، ونهران ظاهran هما النيل والفرات.

3.3. مشاهد من الجنة والنار

كُشف للنبي ﷺ عن بعض نعيم الجنة وألوان من عذاب النار، ليكون ذلك بشيراً ونذيراً لأمته:

  • من نعيم الجنة (نهر الكوثر): رأى النبي ﷺ نهر الكوثر الذي أعطاه الله إياه، ووصفه قائلاً: “حافتاه قباب الدر المجوف… فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر”.
  • من عذاب النار (عبر وعظات):
    • أكلة لحوم الناس (الغيبة): رأى قوماً لهم “أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم”. وعندما سأل عنهم جبريل، قال: “هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”.
    • خطباء الفتنة: ورأى آخرين “تُقطَّع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار”. فسّر جبريل أنهم: “خطباء أمتك.. كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم”.

3.4. فرض الصلاة: هدية المعراج

كان التشريع الأعظم في هذه الليلة هو فرض الصلاة، التي لم تُفرض في الأرض عبر وحي، بل فرضها الله مباشرة في السماء، مما يدل على مكانتها الفريدة. وتتجلى في قصة فرضها دروس عميقة في التربية الإلهية:

  1. الفرض الأول: فُرضت الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة.
  2. نصيحة موسى عليه السلام: في طريق العودة، مر النبي ﷺ بموسى عليه السلام، الذي نصحه بالرجوع إلى الله وطلب التخفيف. وهنا تتجلى حكمة استشارة أهل الخبرة، فقال موسى: “أنا أعلمُ بالناسِ منك، عالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، وإن أُمتَّك لا تُطيقُ”.
  3. التخفيف الإلهي: رجع النبي ﷺ إلى ربه مراراً، وفي كل مرة كان يخفف عنه، من خمسين إلى أربعين، ثم ثلاثين، ثم عشرين، ثم عشر، حتى استقرت على خمس صلوات.
  4. الأجر العظيم: في هذا الحوار بين الطلب الإلهي والرحمة الإلهية، تتجلى عظمة التشريع. فبعد أن أصبحت خمس صلوات، نودي بالنبي ﷺ: “إني قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، وأجزي الحسنةَ عشْرًا”. فجمعت الفريضة بين يسر الأداء وعظمة الأجر، إذ هي خمس في العمل وخمسون في الميزان.

3.5. الخاتمة والانتقال

بعد هذه الرحلة العظيمة بما حوته من مشاهد وتشريعات وهدايا سماوية، كان لا بد من العودة إلى الأرض، لعرض هذه الحقيقة الإلهية على العقل البشري، ليكون ذلك اختباراً فاصلاً للإيمان، ومحكاً حقيقياً للتصديق والتكذيب.


4. العودة إلى مكة: اختبار الإيمان وتجلي الصدق

4.1. مقدمة تحليلية لأثر المعجزة

لا تأتي المعجزات الكبرى لمجرد خرق نواميس الكون، بل لتكون محكاً حقيقياً للعقائد، واختباراً يميز بين الإيمان الراسخ الذي يرى بنور الوحي، والشك المادي الذي تحده قوانين الأرض. كانت رحلة الإسراء والمعراج، عند عودتها إلى عالم البشر، هي ذلك الامتحان الكبير الذي فصل بين اليقين والتردد في المجتمع المكي.

4.2. ردة فعل قريش: بين التكذيب والاستهزاء

في صباح اليوم التالي، أخبر النبي ﷺ قومه بما رأى. فكانت ردة فعل معظمهم هي التكذيب المطلق والسخرية. استنكروا كيف يمكن قطع مسافة تستغرق شهراً ذهاباً وشهراً إياباً في ليلة واحدة. كان هذا الحدث فتنة حقيقية، حتى إن بعض ضعاف الإيمان الذين كانوا قد أسلموا ارتدّوا عن دينهم.

4.3. موقف أبي بكر الصديق: شهادة الإيمان المطلق

في خضم هذا التكذيب، ذهب بعض رجال قريش مسرعين إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا له: “إن صاحبك يزعم أنه قد جاء من بيت المقدس وصلّى فيه ورجع إلى مكّة”. فجاء رده التاريخي، الذي جسّد عمق اليقين وكمال التصديق، ليكون نبراساً لكل مؤمن:

“والله لئن كان قال هذا الكلام لقد صدق… فوالله إنّه ليخبرني أنّ الخبر يأتيه من الله من السّماء إلى الأرض في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد ممّا تعجبون منه”.

ثم أقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، وطلب منه أن يصف له بيت المقدس، فجعل النبي يصفه له، وأبو بكر يقول مع كل وصف: “صدقت، أشهد أنك رسول الله”. لم يكن هذا مجرد تصديق بخبر، بل كان تجسيداً لمنهج الإيمان كله: التسليم المطلق للوحي أمام قصور العقل البشري. وبهذا الموقف، لم ينل أبو بكر لقباً فحسب، بل وضع للأمة قاعدة اليقين الراسخ.

4.4. الخاتمة والانتقال

لم تكن هذه الرحلة مجرد حدث تاريخي عابر، بل كانت أصلاً عقدياً وفتحاً تشريعياً. وهذا البُعد التأسيسي يستدعي النظر في آثارها الفقهية، وتحديداً في حكم تخصيص ذكراها باحتفالات لم يأذن بها الشرع.


5. الحكم الشرعي في الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج

5.1. مقدمة منهجية حول الاتباع والابتداع

يقوم الدين الإسلامي على مبدأ أساسي هو الاتباع الكامل لما شرعه الله ورسوله، وتحريم الابتداع في الدين، وهو إحداث عبادات أو طقوس لم يأذن بها الله. يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. ومن هذا المنطلق، يجب عرض أي عمل تعبدي على ميزان الشرع.

5.2. تحليل الخلاف في تحديد تاريخ الليلة

ورغم شيوع القول بأنها ليلة السابع والعشرين من رجب، إلا أن هذا التحديد يفتقر إلى السند الصحيح الذي تقوم به الحجة شرعاً، وقد أشار المحققون من أهل العلم إلى أن الاختلاف الواسع في تحديدها هو في حد ذاته دليل على عدم تعلق حكم شرعي خاص بها. ولعل من حكمة الله تعالى في عدم حفظ تاريخها الدقيق هو “من أسباب عدم الغلو فيها”، وقطع الطريق على من قد يخصها بعبادات لم تشرع.

5.3. الحكم الشرعي للاحتفال

بناءً على الأدلة الشرعية، وبغض النظر عن تحديد تاريخها، فإن تخصيص هذه الليلة بالاحتفال يُعد “بدعة” محرمة، وذلك للأسباب التالية:

  • لم يفعله النبي ﷺ: لو كان الاحتفال بهذه الليلة أمراً مشروعاً أو فيه خير، لفعله النبي ﷺ أو أرشد أمته إليه.
  • لم يفعله الصحابة: لم يقم الخلفاء الراشدون ولا سائر الصحابة الكرام بالاحتفال بهذه الذكرى، وهم أحرص الناس على الخير وأعلمهم بالدين.
  • الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع: كل عمل يُتقرب به إلى الله لم يشرعه هو مردود على صاحبه، لقول النبي ﷺ:

5.4. الخاتمة والانتقال

إن تعظيم هذه الليلة يكون بالإيمان بها، واستلهام دروسها وعبرها، لا بإحداث احتفالات لم ترد في شريعة الله. والواجب على المسلم هو التمسك بما ثبت، وترك ما أُحدث، فهذا هو سبيل النجاة والفلاح، وهو ما يقودنا إلى استخلاص الدروس الخالدة من هذه المعجزة.


الخاتمة: الدروس الخالدة من رحلة غيرت مجرى التاريخ

لم تكن رحلة الإسراء والمعراج حدثاً عابراً، بل كانت نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية، ومنبعاً لدروس خالدة تنهل منها الأمة على مر العصور. لقد كانت هذه المعجزة:

  • تكريماً إلهياً وتثبيتاً: جاءت لتؤكد للنبي ﷺ أنه وإن أعرض عنه أهل الأرض، فقد أقبل عليه أهل السماء، وأن الله معه ولن يتركه.
  • معراجاً روحياً للمسلم: فرض الصلاة في السماء جعلها صلة مباشرة بين العبد وربه، وهي معراج روحي يتكرر خمس مرات في اليوم، يرتقي به المسلم إلى مناجاة خالقه.
  • تأكيداً على مكانة المسجد الأقصى: ربطت الرحلة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى برباط عقدي أبدي، لتغرس في وجدان كل مسلم أهمية هذه البقعة المباركة وضرورة ارتباطه بها.
  • بشارة بالنصر والتمكين: كانت الرحلة بشارة بانتصار الإسلام واتساع رقعته، وأن هذا الدين سيمتد ليصل إلى أرض النبوات ويحمل راية التوحيد للعالمين.
  • اختباراً لليقين والثبات: علمت الأمة أن طريق الحق مليء بالابتلاءات التي تمحص الصفوف، وأن الصبر والثبات على المبدأ، كما فعل الصديق، هو عنوان الإيمان الصادق.

ستبقى ذكرى الإسراء والمعراج حية في قلوب المسلمين، لا كمناسبة للاحتفالات المبتدعة، بل كمصدر إلهام دائم، يعلم الأمة اليقين في أحلك الظروف، ويربطها بمقدساتها وقيمها الراسخة، ويذكرها بأن بعد كل عسر يسراً، وأن مع الصبر يأتي نصر الله وتكريمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock