هل ينجح الحوار الجنوبي الجنوبي في إعادة صياغة مستقبل الجنوب ؟

في مطلع عام 2026، لم تعد الرياض مجرد حاضنة للمفاوضات التقليدية، بل تحولت إلى “غرفة عمليات” سياسية كبرى لإعادة هندسة الواقع في جنوب اليمن. ومع دعوة المملكة لمؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي الشامل، يجد الجنوبيون أنفسهم أمام لحظة الحقيقة؛ فإما التوافق على “مظلة جامعة” تنهي عقوداً من التشرذم، أو الانزلاق نحو فوضى المكونات التي لا تخدم سوى خصوم الاستقرار.

هذا المقال يغوص في أعماق هذا الحوار، ليحلل الفرص الكامنة في أروقة الرياض، والتحديات التي قد تفخخ طريق التوافق، ومسارات المستقبل في ظل التحولات الإقليمية الكبرى.


1. سياقات الحوار: لماذا الرياض؟ ولماذا الآن؟

تأتي دعوة الرياض لهذا الحوار في توقيت استثنائي يتسم بالانسداد السياسي وتغير موازين القوى على الأرض. هناك ثلاثة محركات رئيسية جعلت من هذا الحوار ضرورة لا مفر منها:


2. محاور التحليل: ماذا يدور خلف الأبواب المغلقة؟

أ. التمثيل الجغرافي وحساسية “حضرموت والشرق”

لم يعد الجنوب كتلة صماء؛ فالمطالب الحضرمية بالحكم الذاتي أو التمايز السياسي أصبحت رقماً صعباً. مستقبل الحوار في الرياض يعتمد بشكل جذري على قدرة الأطراف على إيجاد معادلة “الندية” بين المحافظات، وتجاوز المركزية التي كانت تمارسها عدن تاريخياً.

ب. هيكلة القوى العسكرية والأمنية

التحدي الأكبر يكمن في دمج القوات التابعة للمجلس الانتقالي مع التشكيلات العسكرية الأخرى (مثل قوات “درع الوطن”) تحت قيادة موحدة. النجاح هنا يعني تحول الجنوب إلى مؤسسة دولة، والفشل يعني بقاء خطر “صراع الأخوة” قائماً.

ج. رؤية “تقرير المصير” مقابل “الاتحاد”

الرياض تحاول الموازنة بين سقف المطالب الجنوبية المرتفع (استعادة الدولة) وبين الالتزام الدولي بوحدة اليمن. الحوار يبحث عن “منطقة وسطى” تضمن للجنوبيين إدارة شؤونهم وتحديد مستقبلهم عبر آليات سلمية (استفتاء أو حكم فدرالي واسع) تحت إشراف دولي.


3. التحديات الكبرى: الألغام التي تهدد المسار

رغم الزخم السعودي، إلا أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، وهناك عوائق قد تعطل هذا القطار:

  1. صراع الأجندات الإقليمية: التجاذبات بين القوى المؤثرة في الملف اليمني قد تنعكس سلباً على تماسك المكونات الجنوبية.
  2. أزمة الثقة التاريخية: إرث الصراعات الجنوبية السابقة لا يزال يلقي بظلاله، مما يتطلب “مصارحة وطنية” قبل التوقيع على أي وثائق سياسية.
  3. الوضع المعيشي المتدهور: المواطن في عدن والمكلا يربط نجاح أي حوار بقدرته على توفير الكهرباء واستقرار العملة، وإذا لم تنعكس مخرجات الرياض على “رغيف الخبز”، فستفقد شرعيتها الشعبية.

4. سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه البوصلة؟

السيناريو الأول: “التوافق التاريخي” (المتفائل)

أن ينجح الحوار في تشكيل “مجلس وطني جنوبي عالي المستوى” يضم كافة المكونات، ويخرج برؤية موحدة لتقرير المصير تُقدم للأمم المتحدة. هذا السيناريو سيعزز من مكانة الجنوب في مفاوضات السلام النهائية ويجعله الشريك الأقوى للرياض.

السيناريو الثاني: “اتفاقات الترضية” (الواقعي)

الوصول إلى تفاهمات هشة تضمن تقاسم المناصب والخدمات دون حل جذري للقضايا السيادية. هذا السيناريو قد يؤجل الانفجار ولكنه لن ينهي الأزمة، وسيبقى الوضع رهن التطورات الميدانية.

السيناريو الثالث: “التشظي المستدام” (المتشائم)

فشل المكونات في الوصول إلى كلمة سواء، مما يؤدي إلى بروز كيانات جهوية مستقلة (جنوب مشتت)، وهو ما قد يغري جماعة الحوثي للتمدد نحو المناطق الغنية بالنفط في شبوة وحضرموت.


5. الرياض كضامن دولي: لماذا تنجح هذه المرة؟

خلافاً لاتفاقات سابقة، تضع المملكة ثقلها السياسي والاقتصادي بالكامل خلف هذا الحوار في 2026. الرياض لم تعد وسيطاً فحسب، بل هي “ضامن تنفيذي” يمتلك الأدوات للضغط على كافة الأطراف. كما أن ربط مخرجات الحوار بـ “رؤية 2030” السعودية والبحث عن استقرار المنطقة يعطي لهذا المسار جدية أكبر.


خاتمة: الحوار كبوابة للعبور

إن مستقبل الحوار الجنوبي-الجنوبي في الرياض ليس مجرد جولة مفاوضات عابرة، بل هو عملية “إعادة تدوير” للقضية الجنوبية لتصبح جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. النجاح يتطلب شجاعة من القيادات الجنوبية لتقديم تنازلات مؤلمة مقابل الحصول على مكاسب استراتيجية دائمة.

في نهاية المطاف، الرياض توفر الطاولة والمظلة والضمانات، لكن “القلم” الذي سيكتب مستقبل الجنوب يجب أن يكون بيد أبنائه، فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين، وقطار 2026 قد يكون الأخير نحو استقرار مستدام.

Exit mobile version