زلزال كاراكاس واهتزازات وول ستريت: كيف رسم اعتقال “مادورو” ملامح الأسواق العالمية في مطلع 2026؟

مقدمة: أسبوع الانطلاقة الكبرى والحدث الصاد

لم تكن بداية الأسبوع الأول من عام 2026 مجرد عودة روتينية للمستثمرين إلى شاشات التداول، بل كانت انطلاقة تحت وطأة حدث جيوسياسي من العيار الثقيل قلب الموازين في القارة اللاتينية وألقى بظلاله على قاعات التداول من طوكيو إلى نيويورك. فقد استيقظ العالم على نبأ العملية العسكرية الأمريكية المفاجئة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو الحدث الذي لم يغير المشهد السياسي في فنزويلا فحسب، بل أحدث تموجات في أسواق الطاقة، والمعادن النفيسة، وأسهم التكنولوجيا الكبرى.

بينما كانت الأنظار تتجه صوب لاس فيغاس لمتابعة أحدث ابتكارات الذكاء الاصطناعي في معرض CES، تحولت شاشات التداول فجأة لمتابعة أسعار النفط وتحركات الذهب، في مزيج نادر بين التفاؤل التكنولوجي والحذر الجيوسياسي.


أولاً: وول ستريت تستجيب.. صعود جماعي بدعم “التقنية” والسياسة

افتتحت الأسهم الأمريكية تعاملاتها على ارتفاع ملحوظ، حيث بدا أن المستثمرين استوعبوا صدمة “عملية كاراكاس” وترجموها إلى فرص استثمارية محتملة.

أداء المؤشرات الرئيسية:

  1. مؤشر ستاندرد آند بورز 500: سجل ارتفاعاً بنسبة 0.6% في الساعات الأولى، مما يعكس ثقة حذرة في استقرار الاقتصاد الأمريكي رغم الاضطرابات الخارجية.
  2. مؤشر ناسداك المركب: أضاف نحو 0.7%، مدفوعاً بزخم شركات التكنولوجيا التي استغلت منصة معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) لتعزيز قيمتها السوقية.
  3. مؤشر داو جونز الصناعي: قفز بنحو 330 نقطة (0.7%)، حيث قادت أسهم الطاقة والشركات الصناعية هذا الصعود، مستفيدة من الوعود الأمريكية بإعادة هيكلة قطاع الطاقة الفنزويلي.

هذا الأداء الإيجابي يأتي بعد بداية متذبذبة للعام الجديد، حيث عانت شركات مثل “تسلا” و”مايكروسوفت” من تراجعات طفيفة في جلسة الجمعة الماضية، إلا أن “حمى الذهب الأسود” والابتكارات التقنية أعادت للمؤشرات بريقها.


ثانياً: قطاع الطاقة.. من صدمة الاعتقال إلى وعود “ترامب”

تمثل فنزويلا أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهو ما جعل قطاع الطاقة الأكثر تأثراً بالأنباء الجيوسياسية. في البداية، قفز سعر النفط الخام الأمريكي بنسبة 1%، مدفوعاً بمخاوف تعطل الإمدادات أو حالة الفوضى التي قد تلي غياب السلطة في كاراكاس.

استراتيجية إعادة البناء: لكن المشهد تغير سريعاً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي كشف فيها عن خطة طموحة تمنح شركات النفط الأمريكية العملاقة، مثل شيفرون وكونوكو فيليبس، دوراً محورياً في إدارة وإعادة بناء البنية التحتية النفطية المتهالكة في فنزويلا.

هذا الإعلان أدى إلى:


ثالثاً: الملاذات الآمنة.. الذهب والفضة في “منطقة التحوط”

رغم التفاؤل في سوق الأسهم، إلا أن المستثمرين المحترفين لم يغفلوا عن جانب “المخاطرة”. وقد تجلى ذلك في القفزات الكبيرة للمعادن النفيسة.

حمى الذهب والفضة:

وكما وصف “ستيفن إينس” من شركة SBI لإدارة الأصول المشهد: “نحن نعيش حالة ثقة مصحوبة بالتحوط؛ المستثمرون يريدون الربح من التكنولوجيا والطاقة، لكنهم يشترون الذهب كـ “تأمين” ضد المجهول”.


رابعاً: الأسواق الآسيوية والأوروبية.. تناغم عالمي خلف “نيكاي” و”داكس”

لم تكن القارة الآسيوية بعيدة عن هذا الزخم، بل سجلت أرقاماً قياسية تعكس تفاؤلاً كبيراً بقطاع التكنولوجيا الياباني والكوري.

اليابان تتصدر المشهد: في طوكيو، حلق مؤشر نيكاي 225 بارتفاع بنسبة 3%، ليتجاوز حاجز الـ 51,800 نقطة، مقترباً من مستوياته القياسية التاريخية. وقد أشار “هيرومي ياماجي”، الرئيس التنفيذي لبورصة اليابان، إلى أن العام الجديد يحمل مخاطر جيوسياسية (أوكرانيا، الصين، الشرق الأوسط) لكن أداء الشركات اليابانية وقدرتها على التكيف يظلان المحركين الأساسيين للنمو.

أوروبا تكتسي باللون الأخضر: في القارة العجوز، كان مؤشر داكس الألماني هو النجم الساطع بارتفاع 0.8%، متجاوزاً حاجز الـ 24,700 نقطة، بينما سجلت بورصات لندن وباريس مكاسب متواضعة لكنها مستقرة، مما يشير إلى أن المستثمر الأوروبي يرى في التغيير السياسي بفنزويلا فرصة لاستقرار أسعار الطاقة على المدى الطويل.


خامساً: سوق العملات والبيانات المرتقبة.. الدولار سيد الموقف

في سوق الصرف، حافظ الدولار الأمريكي على قوته مقابل الين الياباني (156.88 ين)، بينما تراجع اليورو قليلاً (1.1680 دولار). هذا الاستقرار يعود إلى حالة الترقب لما سيصدر من بيانات اقتصادية أمريكية في هذا الأسبوع “الأول الكامل” من عام 2026.

أجندة المستثمر هذا الأسبوع: تترقب الأسواق بحذر بيانات جوهرية ستحدد مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه القادم بنهاية يناير، وأهمها:

  1. تقرير قطاع الخدمات: وهو المحرك الأكبر للاقتصاد الأمريكي.
  2. مؤشر ثقة المستهلك: الذي سيعكس مدى تأثر المواطن الأمريكي بالتقلبات السياسية الحالية.
  3. بيانات سوق العمل: والتي ستحدد ما إذا كان الاقتصاد لا يزال في مرحلة “الهبوط الناعم” أم أنه يتجه لنمو متسارع.

سادساً: التحديات الجيوسياسية وفلسفة “إدارة فنزويلا”

لا يمكن قراءة أرقام البورصات بمعزل عن التعقيد الميداني في كاراكاس. فإعلان ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة” شؤون فنزويلا بعد الإطاحة بمادورو يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية واقتصادية دولية.

المحلل “توماس ماثيوز” من “كابيتال إيكونوميكس” يرى أن الأسواق المالية حالياً في حالة “شهر عسل” مع الخبر، حيث تركز على المزايا الاقتصادية المباشرة (فتح أسواق النفط الفنزويلية)، لكنه يحذر من أن التكاليف اللوجستية والسياسية لإعادة الإعمار قد تظهر لاحقاً كعبء على الميزانية الأمريكية إذا لم تسر الأمور بسلاسة.


سابعاً: عمالقة التكنولوجيا.. محرك السوق الحقيقي

رغم كل الأحداث العسكرية، تظل شركات مثل إنفيديا، مايكروسوفت، وتسلا هي “البوصلة” الحقيقية لوول ستريت. تراجع “تسلا” و”مايكروسوفت” في جلسة الجمعة الماضية كان بمثابة “جرس إنذار”، إلا أن التركيز الحالي على معرض CES والطلب الهائل على رقائق الذكاء الاصطناعي أعادا الثقة لهذه الشركات.

إن القيمة السوقية الهائلة لهذه الشركات تجعل من تحركاتها “قوة جاذبية” تسحب المؤشرات خلفها. فإذا نجحت إنفيديا في الإعلان عن معالجات ثورية في CES 2026، فقد يتناسى المستثمرون أحداث فنزويلا تماماً ويركزون على “طفرة الأرباح” القادمة.


الخلاصة: 2026.. عام المخاطر المحسوبة والفرص الكبرى

إن ما شهدناه في افتتاح تداولات هذا الأسبوع هو تجسيد لواقع الأسواق في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؛ سوق لا ينام، يتأثر برصاصة تُطلق في أمريكا اللاتينية بقدر ما يتأثر بشريحة إلكترونية تُنتج في كاليفورنيا.

اعتقال مادورو قد يكون البداية لمرحلة جديدة من “الدبلوماسية الاقتصادية” الأمريكية، والأسواق حتى الآن تمنح هذا التوجه “صوت الثقة”. ومع ذلك، تظل المعادن النفيسة في صعودها المستمر تذكيراً دائماً بأن العالم لا يزال مكاناً غير مستقر، وأن الربح في 2026 سيتطلب توازناً دقيقاً بين “المخاطرة التكنولوجية” و”التحوط الجيوسياسي”.

بانتظار نهاية الأسبوع، ستبقى أعين المستثمرين معلقة بين واشنطن، كاراكاس، ولاس فيغاس، بانتظار الفصل القادم من قصة عام يبدو أنه لن يكون عادياً بأي حال من الأحوال.

Exit mobile version