تُعد ظاهرتا العين والحسد من القضايا التي أثارت اهتمام البشر عبر العصور، وفي الشريعة الإسلامية، لم تُهمل هذه الظواهر، بل أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقدمت تصوراً واضحاً لحقيقتهما وتأثيرهما. فليستا مجرد خرافات أو أوهام، بل هما قوتان حقيقيتان قد تلحق بالناس أضراراً جسدية ونفسية ومادية، وكل ذلك بتقدير الله تعالى وقضائه. إن الإيمان بحقيقة العين والحسد هو جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب في الإسلام، وتصديق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل في القرآن الكريم. هذا يضع الظاهرة ضمن الإطار العقدي، ويجعل التعامل معها عبادة، ويستلزم من المسلم الإيمان بها دون مبالغة تؤدي إلى الأوهام، أو إنكار يؤدي إلى مخالفة النصوص الشرعية، بل يجب التوسط والاعتدال في فهمها.
يهدف هذا البحث إلى تقديم دراسة شاملة وموثقة لمفهوم العين والحسد في الإسلام، مع التركيز على الآيات القرآنية والأدعية النبوية والرقية الشرعية كسبل للتحصين والشفاء. ستعتمد المنهجية على استقراء النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، بالإضافة إلى أقوال كبار العلماء والمفسرين في هذا الشأن، لتقديم رؤية متكاملة وعملية للمسلم.
الفصل الأول: مفهوم العين والحسد في الإسلام
تعريف الحسد وحكمه في الإسلام
الحسد، في تعريفه اللغوي والشرعي، هو تمني الحاسد زوال النعمة عن المحسود، حتى وإن لم يحصل الحاسد على شيء من هذه النعمة. هذا التعريف يبرز الجانب السلبي للحسد كشعور داخلي يتمنى الشر للآخرين، وهو ما يميزه عن الغبطة التي هي تمني مثل النعمة دون تمني زوالها عن صاحبها.
وقد اتفق العلماء على هذا المفهوم، حيث عرفه الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” بأنه “كَرَاهَةُ النِّعْمَةِ، وَحُبُّ زَوَالِهَا عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ”. وذكر الإمام النووي في “رياض الصالحين” أن “الْحَسَدُ هُوَ تَمَّنِي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، سواءٌ كَانَتْ نعمة دينٍ، أَوْ دنيا”. وأضاف ابن عاشور في “التحرير والتنوير” أن “وَالْحَسَدَ تَمَنِّي زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ”. بينما نقل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحسد هو “كراهية ما أنعم الله به على غيره، سواء تمنى زوالها أم لم يتمنَ”. هذه الأقوال تؤكد على أن جوهر الحسد هو الكراهية للخير الذي أصاب الغير، وهو شعور قلبي مذموم.
أما حكم الحسد في الإسلام، فهو محرم شرعاً ويعتبر من كبائر الذنوب. تحريمه ينبع من كونه اعتراضاً على قدر الله وتوزيع أرزاقه، ويدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره.
تترتب على الحسد أضرار بالغة على كل من الحاسد والمحسود. فالحاسد يعيش في اعتراض دائم على القدر، وقلق مستمر، وضيق، وشقاء نفسي، ويتشبه باليهود في حسدهم، ويحتقر نعم الله عليه، مما يدل على دناءة في طبعه. أما المحسود، فقد يتسبب الحسد في إلحاق الضرر به إذا تحول إلى عين، ولكنه لا يضره إلا بأمر الله وإذنه.
تعريف العين وحقيقتها وتأثيرها
العين هي قوة نفسية خبيثة تؤثر في الأبدان والنفوس، ويقال لصاحبها “عائن”. العين ليست مجرد وهم، بل هي قوة حقيقية تخرج من نفس خبيثة حاسدة.
تأثير العين حقيقي وثابت بالقرآن والسنة والإجماع. ويحدث هذا التأثير بإذن الله وقدره. وقد شبه ابن القيم تأثير العين بالسهام التي تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود، فتصيبه أو تخطئه حسب قوة النفس ووقاية المحسود. يمكن أن تكون العين بمجرد النظر، أو مصحوبة بكلام إعجاب. وقد تصيب العين حتى الأقرباء والأحباء. هذا يوضح أن العين ليست بالضرورة ناتجة عن قصد الإضرار، بل قد تحدث من مجرد الإعجاب الشديد الذي لا يصحبه تبريك. الشيخ محمد الحسن الددو شبه تأثير العين بـ”نوع من أنواع الأشعة ولكنها أشعة ضارة”. هذا التشبيه الحديث يساعد على فهم كيف يمكن لقوة غير مرئية أن تحدث أثراً مادياً، مما يفسر لماذا العلاج يتضمن أفعالاً مادية مثل الاغتسال بماء العائن ، بالإضافة إلى الأذكار والقرآن. هذا التأصيل يؤكد على ضرورة التحصن الفعلي وعدم الاستهانة بها.
أدلة ثبوت العين من القرآن والسنة
من القرآن الكريم: يُستدل على حقيقة العين بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (سورة القلم: 51). وقد فسر ابن عباس وغيره هذه الآية بأن الكفار يكادون يصيبون النبي صلى الله عليه وسلم بأعينهم من شدة حسدهم وبغضهم. هذه الآية دليل صريح على حقيقة العين وتأثيرها.
من السنة النبوية: تؤكد السنة النبوية الشريفة حقيقة العين وتأثيرها في عدة أحاديث، منها:
- حديث: “العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين”.
- حديث: “أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين”.
- حديث: “العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر”.
- قصة سهل بن حنيف مع عامر بن ربيعة، وكيف أصيب سهل بالعين ثم عولج بماء وضوء العائن. هذه الأحاديث تؤكد بشكل قاطع على حقيقة العين وشدة تأثيرها، وأنها قد تكون سبباً في الهلاك، وأنها جزء من القدر الإلهي. قصة سهل بن حنيف تقدم دليلاً عملياً على وجود العين وطريقة علاجها الشرعية.
الفرق بين العين والحسد والعلاقة بينهما
يُلاحظ أن الحسد أعم من العين. فكل عائن حاسد، ولكن ليس كل حاسد عائنًا. الحسد هو الأصل، وهو تمني زوال النعمة، وقد يتحول هذا الحسد إلى تأثير فعلي إذا كانت النفس الحاسدة خبيثة وقوية، فينتج عنه العين. العين هي نظر باستحسان قد يشوبه شيء من الحسد، ويكون الناظر خبيث الطبع. الحاسد يتضرر نفسياً ودينياً لاعتراضه على قضاء الله، بينما العين هي قوة نفسية تؤثر في الأبدان والنفوس مباشرة.
الفصل الثاني: آيات القرآن الكريم للتحصين والشفاء
يُعد القرآن الكريم مصدراً عظيماً للشفاء والرحمة للمؤمنين. إن الآيات القرآنية ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي تحمل في طياتها قوة شفائية عظيمة، لا تقتصر على الأمراض الجسدية، بل تمتد لتشمل الأمراض الروحية والنفسية كالحسد والعين. هذا الفهم يعمق إدراكنا لشمولية الإعجاز القرآني، ويدعو إلى تعزيز قراءة القرآن وتدبره كجزء أساسي من الرعاية الذاتية والتحصين اليومي، وليس فقط كعلاج عند الإصابة.
المعوذات: سورة الإخلاص، الفلق، والناس وفضلها في التحصين
تُعرف سور الإخلاص والفلق والناس بالمعوذات، وهي من أقوى السور للتحصين من العين والحسد والسحر.
سورة الإخلاص
نص السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فضلها عظيم، فهي تعدل ثلث القرآن الكريم لاشتمالها على التوحيد الخالص. وتُعد من المعوذات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي بها نفسه وأهله.
سورة الفلق
نص السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. تكمن أهميتها في الاستعاذة بالله من كل شر خلقه، ومن شر الليل إذا أظلم، ومن شر السحرة، ومن شر الحاسد إذا حسد.
سورة الناس
نص السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. تُعنى هذه السورة بالاستعاذة بالله من شر وسوسة الشيطان، سواء كان من الجن أو الإنس.
فضل المعوذات مجتمعة
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المعوذات دبر كل صلاة، وصباحاً ومساءً، ويرقي بها أهله، ووصفهن بأنه لم ير مثلهن قط.
آية الكرسي: مكانتها وأثرها في الحفظ
نص الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (سورة البقرة: 255). تُعد آية الكرسي أفضل آية في كتاب الله. وقد ورد أن من قرأها قبل النوم لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. مكانتها العظيمة تنبع من اشتمالها على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، مما يجعلها حصناً منيعاً لمن يقرأها بتدبر وإيمان. إن قوة التحصين من العين والحسد تكمن في عمق التوحيد والإيمان المطلق بقدرة الله وحده على الحفظ والشفاء. الآيات الفعالة هي تلك التي تؤكد على وحدانية الله، ربوبيته، ملكه، وإلوهيته، مما يرسخ الاعتماد الكامل عليه. هذا يعني أن مجرد تلاوة الآيات دون تدبر لمعاني التوحيد والتوكل على الله قد يقلل من أثرها. التحصين الفعال يتطلب حضور القلب والإيمان الجازم بأن الشفاء والحفظ من الله وحده.
آيات أخرى للتحصين والشفاء من العين والحسد
توجد آيات أخرى من القرآن الكريم تُستخدم للتحصين والشفاء، منها:
- آيات من سورة البقرة:
- الآيات الأولى من سورة البقرة (1-4).
- الآية 109: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. هذه الآية تكشف عن الحسد المتأصل في نفوس أهل الكتاب تجاه المؤمنين، وتشير إلى أن الحسد دافع للشر.
- الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة (285-286).
- آيات من سورة القلم:
- الآية 51: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. هذه الآية دليل قرآني صريح على حقيقة العين وتأثيرها.
- آيات متفرقة من سور أخرى:
- سورة يوسف: الآية 67.
- سورة طه: الآية 131.
- سورة القصص: الآية 79.
- سورة الإسراء: الآية 82 ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
- سورة الشعراء: الآية 80 ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
- سورة الكهف: الآية 39 ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
- سورة النحل: الآية 69 ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾.
تقدم هذه الآيات مجتمعة أساساً قوياً للتحصين والشفاء، مؤكدة على أن القرآن الكريم هو شفاء شامل لا يقتصر على الأمراض العضوية، بل يشمل الأمراض الروحية والنفسية كالحسد والعين.
آيات التحصين والشفاء من العين والحسد
| اسم السورة | رقم الآية (أو الآيات) | نص الآية (مختصر) | دلالتها في التحصين أو الشفاء |
|---|---|---|---|
| الإخلاص | 1-4 | ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ…﴾ | التوحيد الخالص، حماية شاملة |
| الفلق | 1-5 | ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ…﴾ | الاستعاذة من شر الخلق، الليل، السحر، والحاسد |
| الناس | 1-6 | ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ…﴾ | الاستعاذة من وسوسة الشياطين من الجن والإنس |
| البقرة | 255 | ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ…﴾ | آية الكرسي: أعظم آية للحفظ والحماية |
| البقرة | 1-4 | ﴿الَمَ * ذَلِكَ الْكِتَابُ…﴾ | بداية سورة البقرة، بركة وهداية |
| البقرة | 109 | ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ…﴾ | كشف الحسد من أهل الكتاب |
| البقرة | 285-286 | ﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ…﴾ | خواتيم سورة البقرة، حماية وكفاية |
| القلم | 51 | ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا…﴾ | دليل صريح على حقيقة العين وتأثيرها |
| يوسف | 67 | ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ…﴾ | الحذر وأخذ الأسباب لدفع العين |
| طه | 131 | ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ…﴾ | نهي عن تمني ما عند الغير، وقاية من الحسد |
| القصص | 79 | ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ…﴾ | قصة قارون، تحذير من الحسد على النعم |
| الإسراء | 82 | ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ…﴾ | القرآن شفاء عام لكل الأمراض |
| الشعراء | 80 | ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ | توكيد أن الشفاء من الله وحده |
| الكهف | 39 | ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ…﴾ | أهمية التبريك لدفع العين |
| النحل | 69 | ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ…﴾ | العسل فيه شفاء للناس |
الفصل الثالث: الأدعية النبوية والتحصينات الشرعية
تُشكل الأدعية النبوية جزءاً أساسياً من التحصين الشرعي، وهي بمثابة درع روحي يحمي المسلم من الشرور بإذن الله. إن البعد الوقائي للأذكار اليومية يبرز في كونها ليست مخصصة للعلاج بعد الإصابة، بل هي تحصينات استباقية تعتمد على المواظبة على الأذكار والأدعية النبوية. هذا يشكل درعاً روحياً دائماً للمسلم، ويدعو إلى تعزيز الوعي بأهمية هذه الأذكار كروتين يومي لا يقل أهمية عن الواجبات الدينية الأخرى، لتعزيز المناعة الروحية للمجتمع.
أدعية التحصين اليومية المأثورة
يُحث المسلم على المواظبة على هذه الأدعية للحماية اليومية:
- “أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ”. هذا الدعاء شامل للحماية من الشياطين، والهوام (المؤذيات)، والعين اللامة (التي تصيب وتضر).
- “بِاسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (ثلاث مرات صباحاً ومساءً). هذا الدعاء يرسخ التوكل على الله وأن اسمه يحمي من كل ضرر.
- “أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ”.
أدعية خاصة بالشفاء من العين والحسد
عند الإصابة، يمكن الاستعانة بهذه الأدعية النبوية لطلب الشفاء:
- “أَذْهِبِ البَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا”.
- “بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ”.
- “بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ”.
- “أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ” (سبع مرات).
أهمية التبريك وقول “ما شاء الله” عند رؤية ما يعجب
من السنن النبوية المهمة لدفع العين والحسد هو قول “ما شاء الله” أو “بارك الله فيه” أو “اللهم بارك فيه” عند رؤية ما يعجب الإنسان في نفسه أو ماله أو إخوانه. الهدف من التبريك هو دفع العين والحسد، لأن العين حق. والدليل من القرآن قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. التبريك ليس مجرد قول، بل هو اعتراف بفضل الله وقدرته، وهو وسيلة وقائية فعالة للحماية من العين، حتى من الشخص نفسه.
يضع الإسلام مسؤولية كبيرة على الفرد في حماية نفسه روحياً. التحصين ليس حكراً على الرقاة، بل هو ممارسة شخصية يمكن لكل مسلم القيام بها، مما يعزز الاعتماد على الله مباشرة ويقلل من الحاجة إلى الاعتماد المفرط على الرقاة ويسد باب الدجل والشعوذة التي قد تنشأ من الجهل بالتحصينات الذاتية.
أدعية نبوية للتحصين من العين والحسد
| نص الدعاء باللغة العربية | دلالته أو الغرض منه (وقاية/شفاء) | مصدره من السنة النبوية (الراوي واسم الكتاب) |
|---|---|---|
| أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ | وقاية | البخاري عن عبدالله بن عباس |
| بِاسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (ثلاث مرات) | وقاية | الترمذي عن عثمان بن عفان |
| أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ | وقاية | العيني عن أبي سعيد الخدري |
| أَذْهِبِ البَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا | شفاء | البخاري ومسلم عن عائشة |
| بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ | شفاء | مسلم عن أبي سعيد الخدري |
| بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ | شفاء | مسلم عن عائشة |
| أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ، رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ (سبع مرات) | شفاء | أبو داود والترمذي عن ابن عباس |
الفصل الرابع: الرقية الشرعية: أحكامها وطرق تطبيقها
تُعد الرقية الشرعية وسيلة علاجية روحية مشروعة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله. إنها تجسد المنهج الإسلامي المتوازن في التعامل مع الأمراض والآفات، حيث لا يفصل بين الأسباب الروحية والمادية. هي إقرار بأن الشفاء من الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وهذا يعلم المسلم أن لا يكتفي بالجانب الروحي ويهمل الجانب المادي (مثل العلاج الطبي)، ولا العكس، بل يجب الجمع بينهما بالتوكل على الله.
تعريف الرقية الشرعية وشروطها
التعريف: الرقية الشرعية هي قراءة آيات من القرآن الكريم والأدعية النبوية المشروعة على المريض طلباً للشفاء من الله تعالى.
شروط الرقية الشرعية: لكي تكون الرقية صحيحة ومقبولة شرعاً، يجب أن تتوفر فيها الشروط التالية:
- أن تكون بكلام الله أو أسمائه وصفاته، أو بالأدعية النبوية المأثورة، أو الأدعية المباحة التي لا تخالف الشرع.
- أن تكون باللغة العربية أو ما يفهم معناها، مع الاعتقاد بأنها لا تؤثر بذاتها، وإنما الشفاء من الله وحده.
- ألا تحتوي على شرك أو طلاسم أو كلمات غير مفهومة.
- أن يكون الراقي والمسترق مؤمنين بقدرة الله على الشفاء.
كيفية تطبيق الرقية على النفس والغير
الرقية الذاتية (على النفس)
تُعد الرقية الذاتية هي الأفضل. وتتمثل طريقتها في قراءة المعوذات وآية الكرسي وغيرها من الآيات والأدعية، مع النفث في الكفين ومسح الجسد بهما، خاصة قبل النوم. يمكن تكرار القراءة سبع مرات أو وتراً.
الرقية على الغير
الرقية على الغير جائزة ومشروعة. وتتمثل طريقتها في أن يضع الراقي يده على المريض ويقرأ الآيات والأدعية مع النفث. ولا حرج في طلب الرقية من أهل الصلاح.
الرقية بالماء والزيت: أدلتها وكيفيتها
الرقية على الماء
جائزة، حيث يقرأ الراقي على الماء وينفث فيه، ثم يشربه المريض أو يغتسل به. وقد ثبت ذلك بفعل الإمام أحمد بن حنبل وتجربة ابن القيم بقراءة الفاتحة على ماء زمزم.
الرقية على زيت الزيتون والعسل
يمكن القراءة عليهما والدهن بهما على الجسد. ويُستدل على ذلك بكون زيت الزيتون من شجرة مباركة. هذه الطرق تزيد من انتشار أثر الرقية إلى الجسد، وتجمع بين البركة القرآنية والفوائد المادية للمواد.
علاج خاص بالعين: غسل العائن
إذا عُرف العائن، يُطلب منه أن يتوضأ أو يغتسل، ثم يُجمع ماء وضوئه أو غسله ويُصب على المصاب، ويُسقى منه. هذا العلاج خاص بالعين، وهو دليل على قوة تأثير العين وعلى أن الشفاء يكون بإذن الله من خلال وسيلة ظاهرها بسيط.
مفاهيم خاطئة وتصحيحات حول الرقية
للحفاظ على نقاء الرقية الشرعية وتجنب الوقوع في البدع أو الشعوذة أو الأوهام، يجب تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة:
- الرقية عن بعد أو المسجلة: لا تخلو من فائدة خاصة مع الدعاء، ولكن النفث ضروري في الرقية، وهو مفقود في الرقية عن بعد أو المسجلة. النفث ليس مجرد فعل رمزي، بل هو جزء أساسي من الرقية الشرعية، يحمل سراً في إيصال أثر الرقية وإزالة الأثر الضار. هذا يبرز البعد العملي والتطبيقي للرقية كما وردت في السنة، ويؤكد على أن الرقية المباشرة هي الأكمل والأفضل، وأن الرقية عن بعد أو المسجلة قد تكون ذات فائدة محدودة أو غير مكتملة، مما يدعو إلى السعي للرقية المباشرة متى أمكن.
- معرفة الراقي لحال المريض بدون سؤال: لا يثبت صحة ذلك، ويُخشى أن يكون من الاستعانة بالجن.
- ربط كل مصيبة بالعين أو الحسد: يجب الحذر من المبالغة في ذلك، فليست كل الأمراض أو المشاكل ناتجة عن العين أو الحسد، بل قد تكون أسبابها طبيعية أو ابتلاءات من الله.
الفصل الخامس: الوقاية من العين والحسد
يقدم الإسلام منهجاً وقائياً شاملاً يتجاوز مجرد الطقوس، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلم اليومية، يعزز علاقته بالله ويحسن تعامله مع الخلق. هذا يدعو إلى فهم أعمق للوقاية كنمط حياة يعتمد على التقوى والإحسان والتوكل، وليس مجرد إجراءات شكلية.
التحصن بالأذكار والأدعية والمواظبة عليها
تُعد المواظبة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، ودبر الصلوات من أهم سبل الوقاية. كما أن قراءة المعوذات وآية الكرسي بانتظام تشكل درعاً روحياً قوياً يحمي المسلم من الشرور بإذن الله.
التوكل على الله والأخذ بالأسباب الشرعية
يجب على المسلم الاعتماد الكلي على الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة للوقاية. والإيمان الجازم بأن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. التوكل الحقيقي يجمع بين الثقة بالله والقيام بما أمر به من أسباب.
إطفاء نار الحاسد بالإحسان والتعامل الحسن
من الوسائل الوقائية الأخلاقية العالية الرد على الحاسد والمسيء بالإحسان والخير، حتى يتحول العدو إلى صديق. هذه الوسيلة تحول الشر إلى خير وتنزع فتيل العداوة والحسد من جذورها.
الحذر من إظهار النعم بشكل مبالغ فيه
ينبغي عدم التباهي بالنعم بشكل مبالغ فيه، فقد يدعو ذلك إلى حسد الحاسدين. هذا لا يعني إخفاء النعم بالكلية، بل الاعتدال في إظهارها مع التبريك عليها.
التوبة من الذنوب والمعاصي
الذنوب والمعاصي قد تكون سبباً في تسلط الأعداء، بما فيهم الحاسدون والعائنون. لذا، فإن التوبة والعودة إلى الله تقوي الحصانة الروحية للمسلم.
الصدقة والإحسان
للصدقة أثر عظيم في دفع البلاء والشرور، بما في ذلك العين والحسد.
إن التبريك وقول “ما شاء الله” عند رؤية نعم الله على الآخرين هو مسؤولية مجتمعية وفردية. هذا يساهم في بناء مجتمع متراحم تقل فيه أضرار العين والحسد، ويدعو إلى نشر ثقافة التبريك في المجتمع لتقليل أثر العين، وتعليم الأطفال هذه السنة النبوية منذ الصغر.
الخاتمة
تُعد العين والحسد حقيقة ثابتة في الشريعة الإسلامية، وليست مجرد أوهام، وقد قدم القرآن الكريم والسنة النبوية حلولاً شاملة وفعالة للوقاية والعلاج منهما، تتمثل في الأذكار، الأدعية، والرقية الشرعية. التحصين الفعال يعتمد على قوة الإيمان والتوكل على الله، وحضور القلب عند التلاوة والدعاء. والوقاية، كما هو معلوم، خير من العلاج، وتتمثل في المواظبة على الأذكار، والتبريك عند رؤية النعم، والتوبة من الذنوب، والإحسان إلى الناس.
يجب الحث على التوازن في التعامل مع هذه الظواهر، فلا إفراط يؤدي إلى الوسوسة وتوهم الإصابة بكل بلاء، ولا تفريط يؤدي إلى إنكار ما ثبت شرعاً. التأكيد على أن كل شيء يقع بقضاء الله وقدره، وأن الأخذ بالأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، بل هو من كماله. والدعوة إلى اللجوء إلى الله وحده في جميع الأمور، فهو الحافظ الشافي، ولا حول ولا قوة إلا به.
